عبد الله الأنصاري الهروي

485

منازل السائرين ( شرح القاساني )

تزيّن النفس بعصمتها وكمالها - فإذا ابتلاه اللّه بهفوة « 1 » تندّم عليها وانكسرت نفسه فتاب واستغفر ربّه وأناب ، حتّى انمحت صفات نفسه المانعة وارتفعت الحجب وظهرت تلك الكمالات عليه ؛ وذلك من عناية اللّه تعالى به وتمليكه عواقب الهفوات . كما فعل بسليمان عليه السّلام إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فاشتغل بتفرّجها والنظر إليها عن صلاة كان يصلّيها وقت العصر ، حتّى غربت الشمس فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ * رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ 38 / 31 - 33 ] أي طفق يقطع أيديها وأرجلها ويضرب أعناقها حتّى قتلها « أ » لأنّه لمّا رأى تعلّق قلبه بها - حتّى شغلته عن عبادة ربّه - قطع « 2 » تعلّقه بها بإهلاكها ، حتّى يفرغ قلبه بالكلّيّة إلى ربّه وعبادته ، فكان ذلك منه توبة تقلع « 3 » حبّها عن قلبه بالكلّيّة ، فقبلها ربّه وعوّضه عن الخيل الريح ، يركبها وهي تجري بأمره حيث شاء وكيف شاء ، رخاء أو عاصفة ، كما قال « 4 » : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ [ 38 / 36 ] .

--> ( 1 ) ج ، ب ، د : بهفوته . ( 2 ) د ، ب ، ج : فقطع . ( 3 ) م : بقلع . ( 4 ) د : + تعالى . ( أ ) هذا أحد أقوال المفسّرين في الآية ؛ وأورد عليه بأن هذا العمل لا يناسب شأن الأنبياء ، إذ فيه معاقبة الخيل من غير ذنب ، وإتلاف المال المحترم . وقال بعض المفسّرين ، معناه : شرع يمسح مسحا بسوق الخيل وأعناقها ويجعلها مسبلة في سبيل اللّه ، جزاء ما اشتغل بها عن الصلاة . وروى الصدوق في الفقيه ( باب فرض الصلاة : 1 / 202 ) عن الصادق عليه السّلام : « إنّ سليمان بن داود عليه السّلام عرض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل ، فاشتغل بالنظر إليها حتّى تورات الشمس بالحجاب فقال للملائكة : ردّوا الشمس عليّ حتّى اصلّي صلاتي في وقتها فردّوها . فقام ، فمسح ساقيه وعنقه ، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك . وكان وضوءهم للصلاة ، ثمّ قام فصلّى . فلمّا فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم . وذلك قول اللّه عزّ وجلّ : وَوَهَبْنا لِداوُدَ . . . .